ابو القاسم عبد الكريم القشيري

365

شرح الأسماء الحسنى

ففعلا ، فرأت أمه في المنام كأن قائلا يقول لها : إن اللّه سبحانه قد غفر لولدكما بحسن عزائكما ، روى كعب بن عجرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فقال : ما تقولون في رجل قتل في سبيل اللّه ؟ فقالوا ، اللّه ورسوله أعلم ، قال : ذلك في الجنة ، قال : فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا : لا نعلم منه إلا خيرا ؟ فقالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : ذلك في الجنة ، قال : فما تقولون في رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا : لا نعلم فيه خيرا ؟ فقالوا : ذلك في النار ، قال : بئس ما قلتم ، عبد مذنب ورب غفور . وأما قوله سبحانه : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ « 1 » فقيل : معناه خذ ما صفا من الإخلاص ، وقيل : معناه خذ العفو والفضل والمحاسن من الأخلاق ، فاعف عمن ظلمك ، وأحسن إلى من أساء إليك ، وصل من قطعك ، وتجاوز عمن يذنب ولا يحسن مكانك ، وآت من آثر حرمانك . ومن عرف أنه سبحانه عفوّ طلب عفوه ، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه ، فإن اللّه سبحانه بذلك أدبهم وإليه ندبهم ، فقال عز من قائل : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ « 2 » وأن الكريم إذا عفا حفظ قلب المسئ عن الاستيحاش بتذكيره سوء فعله ، بل يزيل عنه ذلك الخجل بما يسبل عليه من ثوب العفو ويفيض عليه من ذيول الصفح ، كما يحكى عن قيس بن عاصم المنقري أنه عثر مملوك له وبيده شيء مشوى على سفود فوقع على ولد له صغير فمات ، فقال قيس بن عاصم له : اذهب فأنت حر ، يريد بذلك صيانته عن استشعار الخجل . واعلم أن عفو اللّه تعالى عن العباد ليس مما يستقصى بالعبارات كنه معانيه ، وفيما ذكرناه كفاية وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) الأعراف : 199 . ( 2 ) النور : 22 .